هذا الكتيّب

هذا الكتيّب هو عبارة عن دليل بيداغوجي مبسّط  يجمع بين النّظري والتقني والتطبيقي، ويسلّط الضّوء على صحافة المواطن ويحيط بها من كلّ جوانبها بدءا بالتعريف بها وتفكيك السياق التاريخي لظهورها، مرورا بخصائصها وتقنياتها وأشكالها، وصولا الى المعايير التحريرية والاخلاقية التي يتوجّب على المواطن الصحفي التحلّي بها خلال مباشرته لهذا النشاط المدني. 

وتكمن أهميّة هذا الكتيّب في قدرته على الاجابة على أغلب الأسئلة التي قد تدور في ذهن كلّ مواطن(ة) يرغب في وُلوج عالم صحافة المواطن والتدوين والإعلام البديل بشكل عام.

 ولا يكتفي الدّليل بتقديم لمحة نظرية وأكاديمية عن صحافة المواطن وتاريخيّتها بل يتجاوز ذلك ليغوص في ثنايا تقنيات التحرير وصناعة المحتوى، والأشكال التحريرية التي يمكن أن يتّخذها المحتوى، وكيفيّة بثّ وترويج المحتوى، والمعايير التحريرية والأخلاقية لصحافة المواطن، بالإضافة إلى ميثاق شرف  المواطن الصحفي وهو عبارة عن مخرجات ورشة عمل تفاعلية جمعت عددا من المواطنين الصحفيين تحت إشراف مركز تطوير الاعلام وأفرزت صياغة ميثاق هو الأوّل من نوعه في تونس. 

حاولنا ، قدر الإمكان، خلال إنجاز هذا الدليل، اجتناب السقوط في العموميات والاكتفاء بتقديم مادّة مقتضبة ولكنّها تتطرّق مباشرة الى أصل الموضوع وتحيط به من كلّ جوانبه حتّى لا يجد المواطن الصحفي نفسه تائها بين دروس نظرية لن تزيد سوى في حيرته. وقد ذيّلنا هذا الكتيّب بمجموعة من المراجع والوثائق البيداغوجية التي من شأنها مزيد انارة سبيل المنتفعين بهذا الدّليل وتعميق معارفهم اكثر فأكثر. 

مقدّمة لابدّ منها

يوما بعد  يوم، يفقد الإعلام التقليدي سلطته على الجمهور وتتراجع قدرته على توجيه الرأي العام بسبب دخول الإعلام الجديد على خطّ الأحداث بكلّ ما يختزنه من تقنيات جديدة وسرد بصري جذّاب وتفاعلية ممتعة تقطع مع السّرد العمودي الأحادي للأحداث. 

هذا العالم السّردي الجديد متّسق تمام الاتّساق بتطوّر الويب وكسرِهِ لمعاهدة (صانع المحتوى/مستهلك المحتوى) التي سيطرت على العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور لعقود من الزّمن.  

 وإذا كان لابدّ من اختزال مفهوم الميديا الجديدة في عبارة واحدة فهي -حسب وجهة نظرنا – تتمثّل في « انفجار المحتوى ». والانفجار، هنا، يتعلّق أساسا بمسار صناعة المحتوى contenu / content وترويجه وطبيعة العلاقة القائمة بين « صنّاعه » و »مستهلكيه » وقنوات ترويجه.

فالميديا الجديدة (الاعلام الجديد) هدمت كلّ هذه المصطلحات وفجّرت العلاقة  العمودية الاحتكارية التي ظلّت على مدى عقود من الزمن تمنح لصنّاع المحتوى créateurs de contenus اليد الطّولى لاحتكار صفة « الباث » وبالتالي السيطرة على مسار المحتوى منذ اختيار فكرته وترتيب أولوياته الى حين بثّه لـ »المتلقّي » الذّي يستهلكه بشكل سلبي أو في أحسن الأحوال يتفاعل معه بشكل جزئي دون القدرة على تعديل المحتوى أو التدخّل في مسار انتاجه وترويجه.

الى هذا المستوى يلُوحُ عنصر التفاعلية interactivité عنصرا محوريا في عالم الميديا الجديدة، حيث يمتزج « الباثّ » بـ »المتلقّي » وتتعدّد قنوات الاتصال بينهما وتندمج لتنتج وفق هذه الرؤية الميدياتيكية الجديدة عالما سرديا Univers narratif متعدد الوسائط والأبعاد. 

لا يمكن الحديث عن ميديا جديدة، وبشكل خاصّ عن عالم الويب التفاعلي 2.0، دون المرور بصحافة المواطن التي كانت سببا مباشرا في « تثوير » الميديا وإعطاء أبعاد متعدّدة للمحتوى وتحريره من قيود الاتّصال الخطّي (باثّ،  رسالة، متلقّي).

هذا النوع من الصحافة، ان صحّ اعتماد مصطلح صحافة، خلق مسارات علائقية دائرية معقّدة ومتشعّبة بين مختلف المتدخلين في عملية إنتاج المحتوى وترويجه واستهلاكه، وقطع مع ثنائية الباث الاحتكاري والمتلقّي السلبي.

 وتضع صحافة المواطن الميديا الاجتماعية social media / médias sociaux في مرتبة متقدّمة تتيح لها لعب دور رئيسي أو تكميلي في المسار السردي، ما يضفي على المحتوى بُعدا اجتماعيا يتأتّى أساسا من تشريك الأفراد والجماعات الافتراضية في مسار السرد وإدماجهم في العالم السردي بصفتهم شركاء في السرد لا مجرّد مستهلكين سلبيين. 

وبالرّغم من سهولة إيجاد موطئ قدم في الميديا الاجتماعية (فايسبوك، تويتر، يوتيوب، فليكر، انستجرام، منتديات، غرف دردشة، مدوّنات الخ) الّا أنّ المؤسسات الصحفية التونسية والعربية عموما مازالت لم تبلغ مستوى التوظيف الجيّد لهذه الميديا في إطار استراتيجية « ترانس ميديا » متكاملة، حيث تكتفي هذه المؤسسات بنشر مضامينها الصحفية كما هي على الفيسبوك ووضع روابط موادّها السمعية البصرية والمكتوبة على تويتر أو في أحسن الأحوال إجراء سبر آراء وجمع شهادات لاستغلالها في تأثيث برنامج ما أو كتابة تحقيق أو روبورتاج حول ظاهرة ما في المجتمع. 

من الويب التفاعلي وُلدت صحافة الجمهور أو ما يعبّر عنها اصطلاحا بصحافة المواطن بصفتها أحد تمظهرات الإعلام الجديد. وهي لا تعوّض الصحافة التقليدية بقدر ما تنافسها مستفيدة من عامل القرب، بل وتكمّلها وتكون لها مصدرا أوّليا للمعلومة في أوقات كثيرة. 

ويمكن القول انّ صحافة المواطن ترتكز أساسا على ثلاث نقاط :

 

  • اعتبار شبكة الإنترنت فضاء رئيسيا للنشر والتعبير عن الرأي والتفاعل مع المجتمع والسلطات.
  • العمل على دفع المواطن للمشاركة في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية والدفاع عن القيم الكونية لحقوق الإنسان.
  • النأي بمخرجات صحافة المواطن عن كلّ توظيف تجاري أو مصلحيّ  ضيّق واعتباره امتدادا لرسالة الإعلام البديل.

Insert your error message here, if the PDF cannot be displayed.

أهدافه

يهدف هذا الدّليل الى  تمكين المواطن(ة) الصحفي(ة) من المهارات التحريرية والتقنية والأخلاقية الأساسية  لدخول عالم التدوين والإعلام البديل بشكل عام. وينهل هذا الدّليل من المنظومة الكونية لحقوق الإنسان والمواثيق الأخلاقية المرجعية وجملة المعاهدات الدولية المتعلّقة بحريّة التعبير والصحافة  والنشر ويعتبرها مرجعا أساسيا له.

نسعى من خلال هذا الكتيّب الى زرع ثقافة المشاركة في قضايا الشأن العام لدى عموم المواطنين وبشكل خاصّ لدى فئة الشّباب وتمكينهم من الأدوات اللازمة المتاحة من أجل الاضطلاع بممارسة رقابة مدنيّة اعلامية على أداء السلطات المحلية على وجه الخصوص والتبليغ عن قضايا الفساد ونقل صوت المواطنين ومشاغلهم الى المسؤولين. 

منهجيّته

يستند هذا الدّليل إلى منهجيّة تُراوح بين البحث والتوثيق من جهة وبين المقارنة والتفكيك من جهة أخرى. 

وقد انطلقنا، تحت إشراف مركز تطوير الاعلام، من الميدان لنعود إليه من خلال اتّباعنا جملة من الخطوات أدّت في النهاية إلى ميلاد هذا الكتيّب: 

الخطوة الأولى

مسح ميداني لهياكل ومبادرات ونشطاء الإعلام البديل (مواقع وصحف ومدوّنات مواطنيّة و جمعياتية، إذاعات ويب ونوادي صحافة المواطن) في محافظات الغرب التونسي. أتاح هذا المسح جمع المعطيات الكمّية و الامبيريقية. 

الخطوة الثانية

عقد سلسلة من الدورات التدريبية على مدى السنوات الثلاث المنقضية استفاد منها العشرات من النشطاء في محافظات الغرب التونسي. كشفت هذه الدورات جملة المهارات والمعارف التي يحتاج إليها المواطن(ة) الصحفي(ة) في تونس وخارجها.

الخطوة الثالثة

تنظيم ورشات عمل تفاعلية مع العشرات من نشطاء وناشطات صحافة المواطن أسفرت عن صياغة ميثاق المواطن الصحفي. 

هذا الكتيّب الذي بين أيديكم هو عصارة كلّ تلك الخطوات مجتمعة. وهو وثيقة قابلة للتعديل والتطوير كلّما اقتضت الحاجة ذلك على اعتبار أنّه سيكون متاحا في نسخة الكترونية تفاعلية على موقع مركز تطوير الاعلام MDC.

ميثاق شرف المواطن الصحفي

المواطن الصحفي هو مواطن من عامة الناس يلعب دورا نشيطًا في عملية جمع ونقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات عبر استخدام الإنترنت ووسائلها المتنوعة. يسعى الى احداث تغيير ايجابي في المجتمع. ويستمد شرعيته من حقه في الاعلام والنفاذ الى المعلومات ونشرها جماهيريا. ويعتبر أحد المصادر الأوّلية في عملية إنتاج المحتوى الإعلامي. 

 

ينشط المواطن الصحفي من منطلق التزام أخلاقي ومجتمعي بصفته مراقبا لاحترام القوانين والحوكمة الرشيدة ومبلغا عن الفساد.

 يلتزم  بخدمة الصالح العام و قضايا مجتمعه. 

يلتزم بعدم نشر معلومات زائفة أو الانخراط في حملات تنال من حرمة الأشخاص والمؤسسات.

يلتزم بالمحافظة على استقلاليته وعدم توظيف نشاطه في اطار صحافة المواطن لخدمة مصالح خاصة أو فئوية غير مشروعة.

يلتزم بالتشهير بالممارسات المخلة بالدولة المدنية ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

يلتزم بالحفاظ على الملكية الفكرية للمعلومات والوثائق والصور والفيديوهات وكل أشكال المواد التي يستخدمها وعدم تحريف محتواها.

 يلتزم باحترام خصوصية الأفراد وكرامتهم وحقهم في الصورة وعدم الإخلال بالمعايير المتعلقة بالقصر. 

يرفض الحصول على هبات أو منفعة من أجل نشر أو إخفاء المعلومات التي بحوزته. 

يلتزم تتطلب خلال المحطات الانتخابية (رئاسية، برلمانية، بلدية…) والموضوعية والدقة والتجرد في التعامل مع الشعارات والحملات الدعائية الرامية إلى كسب التأييد. كما يعطي الأطراف المتنافسة فرصاً تتلاءم مع أهميتها لإبداء آرائها وبرامجها. ولا يبث إعلانات للجهات الحزبية المشاركة في الانتخابات.

Retour en haut